هو كـابوسٌ يُراود الكثير منا "أقصد المقدسيون خصوصاً" ذوي أصحاب الهوية الورقية الزرقـاء..
سواءٌ حين يبلغون سِنَ الإلزام بحمل هوية تدُل على ذواتهم.. أينما وُجِدوا وأينما أتجهوا..
أو حينما يحتاج الشخص لتجديد الهوية وتتعدد الأسباب هُنا..
بِكافة الاحوال يبقى كابوسٌ يُلاحقُ الجميع.. بِدأً من فِكرة الانطلاق.. حتى بلوغ مركز التعامل مع معاملات الحصول الهوية "الداخلية الإسرائيلية" لحين الخروج من بعدِ عناءٍ طويـل.. وعذابٌ للنفس قاهر..
سأتحدث عن تجربتي هُنا قليلاً في سبيل تجديد الورقة الزرقاء خاصتي
"الهوية الاسرائيلية".. كما يرتإي البعض أن يُطلقَ عليها ..:(
لقد كان كابوس تجديد هويتي يجتاحني منذ فترة طويلة.. فَفِكرة الذهاب والإصطفاف
والتعرض للعديد من الأسئلة والشعور بالإذلال لكي أحصل على شيءِ عندما أُمسكه أشعر بأن شيءِ يتمزق بداخـلي..
ورقةٌ زرقاء يُعطيني إياها مُحتلي.. بإعتقاده بأنه قدمَ لي تصريحاً للحياة والعيش في أرضي وأرضُ أجدادي.. تصريحاً لكي أتجول في أرضي ومدينتي..
إنَّ شعوري بإني صاحبة أرضٍ لكني لا أستطيع لمسُها.. وأن هُناك من يغتصبها، ويقول لي: يُمكنُكِ النظر إلى الارض، لكن لا تحلمي بأبعد من ذلك.. فلا يُمكنكُ الحلم بلمسها بيومٍ من الأيام، بدون تصريحٍ وإذنٍ مِنا..
بدأتُ يومي بعدما حسمتُ أمري بتجديد هويتي.. لأسبابٍ حثتني على ذلك..
صليتُ الفجر كالمُعتاد.. إنتظرتُ إلى أن بزغت شمسُ الأمل.. توكلتُ على الله .. ودعوته أن يكون بجانبي أنا وصديقتي بيومي هذا..
وبعد فترةٍ قصيرة توقف الباص المُوكل بإيصالي إلى هدفي.. نظرتُ وقُلتُ في نفسي ها أنا هُنا في حضرةِ العـذاب.. وستبدأ الرِحلة في سبيل الحصول على مُبتغايّ....
وكُنتُ قد هيأتُ نفسي لِكُلِ شيء.. فهذا ليس ببعيد على مُحتلي.. فلُعبة الإذلال شيءٌ ممتع لديهم..
الطريق للمكان المُنشود كانت مُثيرة للغضب.. كأنني أهبِطُ جبلاً.. ولكن هُنا كان بعضٌ من جبل..
أكملتُ مساري.. عبأتُ الطلب الخاص بي.. وأستعنتُ بالله..
وها قد بدأت المُهمة الأصعب.. الإصطفاف لحينما يحين دوري.. وبالنسبة لي أصبح الإنتظار من العادات الطبيعية في حياتي كفلسطينية..
من ثُمَّ تم التفتيش بشكلٍ رهيب.. وكأنني سأقوم بوضعِ شيءٍ مُؤذٍ في حقيبتي.. وحينما وجدوا بأنني فارغة أعطوني الإذن بالمرور..
أكلمتُ الطريق تائهة.. إنها المرةُ الأُولى التي أقوم بهكذا شيء لوحدي بعيداً عن وجود والِدَيَّ اللذان قررا أن أعتمد على نفسي بهذا الأمر..
الأن وصلتُ إلى مُبتغايْ.. قِسم السماح بإعطاء الهويات..
كُنتُ قد ظننتُ أن مُهمتي أصبحت سهلة.. سأدخل وأخرج بسهولة.. ولن يطول ذلك
لكن حينما أطَّلتْ عيناي على الغُرفة.. قُلتُ في نفسي، يبدو أنني سأقضي يومي كاملاً هُنا،
لكثرة الاشخاص في الغُرفة..
وبدأت عملية الانتظــــــــــــــــــــــــــــار الطويــــــلة في سبيل الوصول إلى رقم مُعاملتنااا..
كانت الأعداد تتزايد بشكل هائل.. إلى أن امتلأت المقاعد.. والبقية تحملوا الوقوف داعيين الله انقضاء يومهم بسلامة..
وقد كان المُوظفون.. ""مِنْ أولاد العمْ"" يعملونَ بهدوء وبِبطُءِ شديد.. وكأنه لا يُوجد طوابير تحتاج للعمل من أجلها..
كما ولم نَسْلَم جميعاً مِن كلمات وغضب أفراد النظـام والحماية لديهم.. فكُلما يحلو لهم تسمع أصواتهم تتعلى على الأفراد غضباً وإستفزازاً..
إمتلأ المكان بأًصوات المتململين.. وأصوات بُكاء الأطفال الصِغار.. وصوت رجُلٍ غاضب لإنتظاره طويلاً وبالنهاية تم رفضُ معاملاته.. مما زاد من إنزعاجي وصديقتي
وازدادت دعواتي لله ورجاءي بإنتهاء كُلَّ شيء..
مرتْ الساعاتُ الطـــويلة.. وبدأ المللُ يتسلل لي.. إلا أنني لم أكُفْ عن ترداد جُملة: "تفاءلوا بالخير تجدوه"، كُنتُ أقولها لصديقتي وهي تقول: أشعر بأننا سنقضي يومنا هُنا،
وكُنتُ أرددها أيضاً حينما كُنا نرى رقم مُعاملتناا بعيدٌ جداً..
وأيضاً حين كُنتُ أرى الموظفون يعملون ببُطءٍ مُزعج.. وحين أراهم يأخُذون إستراحة مليئة بالكلام مع من يحلو لهم أثناء قيامهم بالعمل.. وكأنهُ لا يوجد أمامهم من يريد إنهاء مُعاملته..
في الكثير من أوقاتُ مللي أكرر غاضِبةً وأتساءل ما سبب قضاء المتعاملين
الوقت الطويل عند الموظف المُسؤول..
وأخيـــــــراً عندما حان دوري.. علمت السبب..
بالبداية قام المُوظف بالتحدث بالعبرية معي.. تساءلتُ في نفسي هل يدلُ مظهري على أنني من الخبيرين في التحدث باللغة العبرية.. طلبتُ منه التحدث بالعربية..
وبدأ بطرح الأسئلة العديدة.. ولم يترك سُؤالاً إلا سألهُ.. مُعتقداً أنَّ بإستطاعته إمساكُ
شيءِ عليّ ليمنعني من إكمال معاملتي او ايجاد طريقة لسحب الهوية، فهذا شيء مُعتاد
منهم، ففي وقتنا الحالي يتم سحب الهويات الزرقاء من الكثير من الأشخاص..
لكن إجاباتي كانت واضحة.. وإن أجبت أم لم أجب كان الإجابة مُسبقاً لديه..
لكن كيف يستطيعون منع أنفسهم من وضع الشخص في موقعِ ضغطٍ بعد يوم إنتظارٍ كهذا!!
بالنهايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة.. تم تسليمي الهوية الجديدة..
وحانت اللحظة التي إنتظرتها بفارغ الصبر عند إنقضاء ساعات المرارة والإنتظار.. لحظة الخروج من ذاك المكان
فقد إشتقتُ لنور الشمس وضوءها الساطع المليء بالأمل..
إشتقتُ للهواء النقيّ بعد شعوري بإنقطاع النفس في حضرة العذاب..
كُنتُ أشعرُ فِعلاً بالعـذاب وأنا أنتظر..
متى أرى اللغة العربية والروح الفلسطينية تطغى على كُل شيء..
متى سأرى النَّفَسَ العربيّ هو الممتلكـ للمكان.. متى سأشعر بلذة الحصول على ورقةٍ بلونٍ أخر وطابعٌ آخر ومن يدٍ أُخرى وبِشكلٍ آخر..
وإنقضى يومي بكل مرارته بسلامة.. وانتهى كابوس الهوية.. وكُلي أملٌ بإنتهاء الكابوس الأكبر..
خرجنا وبيدينـا..
جَرِيدَةٌ وَجْهُهَا لِلْسَمَاءْ.. وأشِعّةُ شمسٍ.. وصديقتي (آلاء قـاق).. وأنـا.. جُنُونْ... :)
في تدوينتي هذه أحببتُ أن أُشارككم مشاعِرٌ اجتاحتني اليوم ...
أحببتُ أن أستعرض ولو بشكل بسيط أشكال ما نمرُ به هُنا في القُدس في سبيل البقاء..
لكـي يُرى بعضٌ مما نُعانيه.. فكثيراً ما أسمع ترداد جُملة أنتم المقدسيون ((مُدللون)).. تقومون بِكُلِ شيء.. بدون أي كلمة تُقال من قبل المُحتل..
أنتم حاملوا الهوية الزرقاء لكم الحُرية الكاملة في أي عمل تريدونه..
آهٍ يا قُدسُ الحبيبة.. سأعيشُ على أملِ رُؤية علمُكِ يُرفرف رمزاً للنصر ....
لكــِ يا قُدسُ الســـــلام... :)






التعليقات: 5
مدللون...!!! نعم هذه الكلمة سمعتها كثيراً وكم آلمتني لأن مجرد عيشنا معهم سوياً بمكان واحد وببيوت متقابلة وبحافلات واحدة هذا لوحده ظلم كبير
غاليتي وشقيقتي انتِ رائعة كالعادة وكما أقولها لكِ دائما القدس تفتخر بكِ لأنك أحد أبطالها :)
دمتِ متألقة ومتحدثة عن الواقع بشكل جذاب وحقيقي :) :)
منى الجولاني....
السلام عليكم والرحمة!
تدوينتك رائعة، تحكي قصة معاناة، تخيّلت نفسي أقبع مكانك، الشعور ذاته والألم ذاته، لكن المختلف أننا نستلم الهويات بسهولة تامة،، لكم الله يا أهل القدس،،
وللقدس رب يحميها، والنصر آت لا محالة،!
سنملك يوما الورقة الخضراء يا صديقة سنملكها !
بارك الله فيك على هذه التدوينة :)
رهيبة للأمام دائماً
صديقتي ...
ارى بأننا سعداء رغم ما نواجهة ونعانيه من خناق بشتى الوسائل والطرق في القدس إلّا وأننا نبتسم ولا نكترث لتصرفاتهم اتجاهنالاننا أقوى منهم بإيماننا بحقنا وقضيتنا..
ابتسمنا رغم الذل الذي وجّه لنا بالأسئلة ... وأنا اكثر سعادة لأننا لم نذهب دون استرجاع (مرآتك التي تزينهاصورة قبة الصخرة)رغم علمنا بما سنلاقيه :)
ندى عاشور
زى ما قالت صديقتك فى تعليق ليها
مجرد وجودكم مع الخنازير دول فى مكان واحد واجباركم على التعامل معاهم يوميا وكإنهم ناس عاديين زيينا
هو منتهى الذل والقهر والاهانة
انا عمرى ما اتمنى انى اكون فى موقفكم لانى مش عارفه ازاى بتقدروا تتحملوا الضغط ده على اعصابكم كل يوم ( ومع انكم نفسكم تقتلوهم فى كل لحظة ) لكن مش قادرين تعملوا ليهم حاجه للاسف لانكم يستحيل تسيبوا لهم ارضكم (ودى تضحية عظيمة جدا منكم ميفهمهاش الا الشخص العاقل اللى يقدر قيمة ارضه)
بس هاقولك على حاجه يا عهود
والمرة دى بقولها بكل ثقة
( هاااااااااااانت )
صدقينى هانت وحربنا مع الصهاينة مش قدامها سنيييييييين طويلة زى ما الكل متصور
انتم لو شفتم هنا فى مصر الشباب وقت الثورة وهو بيهتف بعد خلع مبارك بوقت قليل ( على القدس رايحين شهداء بالملايين )
ولو شاهدتوهم برضه الايام اللى فاتت وهما مصرين يروحوا سيناء عشان يقتلوا الصهاينة وينتقموا لجنودنا
هتعرفوا انها بجد هانت
واننا ( كل المسلمين والعرب ) عملنا ثوراتنا دى كلها - صحيح لتحرير بلادنا - ولكن كان دايما فى بالنا الهدف الاكبر وهو تحرير فلطسين
إرسال تعليق